ابن أبي أصيبعة

34

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ويحمله على دابة ، ويأتي بها من داخل دمشق ، يبيعه للذين يقدونه في الأفران ، وغيرها . وإنه لما كان في بعض المرات وقد عبر من باب توما بدمشق « 1 » ، ومعه حمل شيح ، رأى شيخا من المتطببين وهو يفصد إنسانا ، وقد عرض « 2 » له رعاف شديد من الناحية المسامتة للموضع الذي ينبعث منه الدم ، فوقف ينظر إليه ، ثم قال : لم تفصد هذا ؟ ، ودمه يجرى [ من أنفه ] « 3 » بأكثر مما يحتاج إليه من الفصد . فعرفه أن ذلك إنما يفعله لينقطع الدم الذي ينبعث من أنفه ، لكونه يجتذبه إلى مسامتة الجهة التي ينبعث منها . فقال له : إذا كان الأمر على ما تقول ، فإننا في مواضعنا قد اعتدنا ، أنه متى كان نهر جار ، وأردنا أن نقطع الماء عنه ، فإنا نجعل له مسيلا إلى ناحية أخرى غير مسامتة له ، فينقطع من ذلك الموضع ويعود إلى الموضع الآخر . فأنت لم لا تفعل هكذا أيضا ، وتفصده من الناحية الأخرى . ففعل ذلك ، وانقطع الرعاف عن الرجل . وإن ذلك الطبيب لما رأى من البيرودى حسن نظر فيما سأل عنه ، قال له : لو « 4 » أنك تشتغل بصناعة الطب ، جاء منك طبيب جيد . فمال البيرودى إلى قوله ، وتاقت نفسه إلى العلم « 5 » . وبقي مترددا إلى الشيخ في أوقات ، وهو يعرفه ويريه أشياء من المداواة . ثم إنه ترك « 6 » بيرود وما كان يعانيه ، وأقام بدمشق يتعلم صناعة الطب ، ولما تبصر في أشياء منها ، وصارت له معرفة بالقوانين العلمية ، وحاول مداواة

--> ( 1 ) في ه : يوما من باب دمشق ، المعروف بباب ثوما . ( 2 ) في ه : حصل . ( 3 ) ما بين الخاصرتين ساقط من : ه . ( 4 ) ساقط من طبعة مولر . ( 5 ) في أ : العمل . ( 6 ) في ه : نزل .